مثلما احتضنت ” الرقة ” الكاتبة الإنكليزية ” آغاثا كريستي ” ، التي قضت شهر عسلها في ” عين العروس” بزواجها الثالث عام /1937/م من السير “مالوان”، عالم الآثار الشهير ، الذي كان ينقب في أعالي ” البليخ “، وكتبت كتابها ذائع الصيت “ قل لي من أنت أقول لك كيف تعيش“، وخصصت فيه فصلاً مطولاً بعنوان ” الطريق إلى الرقة “، كذلك جاءت الأميرة ” آمال الأطرش “، المعروفة باسم ” أسمهان ” إلى ” الرقة “، وعاشت في ريفها يومين ، تنقلت خلالهما بين مضارب البدو .
ترى لما جاءت أسمهان إلى ” الرقة ” ؟ ومن الذي أوحى إليها بفكرة القدوم ؟ وما النتائج التي حققتها من زيارة ” الرقة ” ؟ كل ذلك أجاب عنه بتاريخ 12/1/2010 الباحث “عبد العظيم العجيلي” .
يقول ” العجيلي “: « لعبت المطربة ” أسمهان “، الأميرة ” آمال الأطرش ” دوراً مثيراً في سير بعض أحداث الحرب العالمية الثانية في المنطقة السورية ، وفي المفارقة في تسمية هذا الدور. لكن مهما اختلف الآخرون في إعطاء الصفة لدور الأميرة الراحلة في تلك الأحداث البعيدة، فالثابت أنّ هذا الدور لم يقتصر على ما تمّ عرضه عن حياتها، بل كان هناك لأسمهان الكثير من الزوايا والمواقف غير تلك التي ظهرت على الملأ ، وذلك وفاقاً لما أورده الصحفي والكاتب الراحل ” محمد التابعي ” في مذكراته عن ” أسمهان” في مجلة ” آخر ساعة ” المصرية في أواخر أربعينيات القرن العشرين المنصرم. تلك الزوايا بقيت بعيدة عن الطرح الإعلامي، ومنها رحلة للأميرة المطربة إلى منطقة ” الرقة ” » .
ويتابع ” العجيلي ” حديثه حول رحلة الأميرة إلى ” الرقة “، قائلاً : « تمّت تلك الرحلة ، في غمرة اشتداد ضغط قوات المحور القادمة من الغرب في الشمال الإفريقي ، نحو الشرق الأوسط ، إذ تمّ التخطيط لها كي تلتقي على شكل كمّاشة مع قوات المحور، القادمة من البلقان عبر إيران والعراق وتركيا ، وذلك لتطويق منابع البترول، وحرمان الحلفاء من عصب الحرب ، وهو النفط ، بوصفه واحداً من أهمّ الأهداف . لهذا ، وبعد أن تبيّن أين ستكون ضربات العدو ، قرر الحلفاء تأمين العناصر اللوجستيّة اللازمة لمسرح العمليات المرتقب ، والممتد على كامل جغرافية المنطقة العربية المشرقية ، من الشمال السوري حتى القطر المصري ، بشبكة من طرق المواصلات (1) . والخطوط الدفاعية ، والمراكز التموينية ، والمستشفيات الميدانية ، والمطارات ، وكل ما يلزم لسهولة تحرك القوات .
ونظراً لأن ساحة العمليات المحتملة ، وخاصة في الشمال السوري ، تقع ضمن نفوذ القبائل والعشائر التي تجوب المنطقة ، كان لابدّ أولاً ، من استمالة هذه القبائل والعشائر وكسب ولائها بالترغيب ، ذلك ما أملته خبرة الكولونيل ” ت. إي. لورنس” في الحرب الأولى ، الذي جعل من رجال القبائل رأس الحربة في العمليات العسكرية المرافقة لتقدم الجيش البريطاني في زحفه على سورية » .
ويضيف ” العجيلي”، واصفاً رحلة ” أسمهان” إلى ” الرقة “، قائلاً : « في ليلة باردة من خريف عام /1942/ ، وبسريّة وتكتم شديدين ، وصلت الأميرة ” أسمهان ” بعربة قطار خاصة إلى محطة قطار ” أقجي قلعة ” التركية على الحدود السورية التركية ، قادمة من ” القدس” عن طريق ” حلب “، وبعد عبورها نقطة ” تل أبيض” السورية ، توجه بها ضابطا الاستخبارات : الإنكليزي “غوردون سكوت ” والأمريكي ” روبرت كوكامبش “(2) إلى مضارب واحد من شيوخ العشائر (3) في المنطقة حيث تمّ ترتيب إقامتها .
الاجتماع التمهيدي للأميرة مع بعض شيوخ العشائر ، لم يضم أولئك الشيوخ فحسب ، بل جمع إليهم أحد الوجوه السياسية الوطنية المعروفة والناشطة في تلك الحقبة ، وهو صديق وزميل لزوجها الأمير ” حسن الأطرش ” في البرلمان السوري في ثلاثينيات القرن العشرين، وأحد المقارعين لسلطات الانتداب الفرنسي (4)، وقد قدم من ” الرقة ” مع ابن أخ له، بناء على طلب الأميرة التي كانت قد التقت به في ” دمشق ” برفقة زوجها ، كما التقت به قبل ذلك بسنوات في ” القدس “، ضمن وفد برلماني لمجلس النواب السوري .
ظلّت تفاصيل اجتماعات الأميرة مع وفود العشائر في مضارب ذلك الشيخ ، والتي استمرّت ليومين ، مطوية في تقارير ضابطي الاستخبارات المرافقين للأميرة ، أما ذلك الرجل السياسي والوطني السوري الذي قدم من ” الرقة “، فقد غادر في صبيحة اليوم التالي عقب انفضاض الاجتماع التمهيدي ، بعد أن بيّن للأميرة أن مسلكه وولاءه تحكمهما مصلحة الوطن السوري ، الذي يرتقي فوق أيّة صداقة أو رغبة » .
ويختتم المهندس ” العجيلي ” حديثه قائلاً : « الحفل السياسي الذي قدمته المطربة الأميرة لم يكن له غد ، ففي مسرح العمليات البلقانية استطاعت القوات المتحالفة مع عناصر المقاومة في البلقان واليونان ، صدّ الهجوم الألماني الشرس ، كما استطاعت قوات الجنرال ” مونتغمري” إلحاق الهزيمة بقوات
المارشال ” رومل ” في ” العلمين ” ، بعد أن وصلت قواته إلى مشارف ” الإسكندرية ” ، وبدأ ميزان الحرب يميل لمصلحة الحلفاء ، الذين تحول اهتمامهم إلى أمور أكثر جدوى من أمر هذه القبائل وأمرائها وعلى رأسهم سموّ الضيفة . لم يبق من تلك المشاريع اللوجستية ، سوى أكوام الحجارة المرمية على مسارات الطرق ، في سهول ووديان وبوادي الأرض السورية ، تنتظر حرباً عالمية جديدة لترصف في الأرض…
أمّا أميرتنا المطربة ، فكانت نهايتها كما جاء في المسلسل الرمضانيّ ، الذي أخفى من أحداث حياتها الكثير ممّا عاصرناه ، ومنها رحلتها السريّة إلى ” الرقة ” التي طويت تفاصيلها حينما طوى الثرى أولئك الذين اجتمعوا في بادية ” الرقة “، ذات ليلة من ليالي القرن العشرين ، وبقي لدينا هذا ، فضلاً عمّا سمعناه ، ولا نستطيع ، بعد هذا الزمن، أن نبوح به ! » .
هوامش:
1ـ كان من ضمن الترتيبات اللوجستية للحلفاء في سورية: بناء جسر ” الرقة ” على نهر ” الفرات “، وجسور أخرى مخطط لها في منطقة “مريبط ” و” الميادين “، ومعسكرات ” قطنا “، وخط ” هإيدن” الدفاعي في ” الجولان “، والمطارات العسكرية في المثلث من ” حلب ” إلى ” دير الزور”، و” تدمر” وما حولها . وتقع الطرق التي لم يتم إكمالها في ” البادية ” السورية والحدود السورية التركية.. الخ .
2ـ ” روبرت كوكامبش “: ضابط استخبارات أمريكي كان ضمن الفريق الأمريكي الممسؤول عن الشريط الحدودي التركي المتاخم للحدود السورية . التقى به الكاتب حين كان يدرس في الولايات المتحدة في ستينيات القرن الماضي ، وكان مديراً لشركة تدعى Ranco Control تصنع أجهزة التحكم عن بعد في مدينة “كولومبس” بولاية ” أوهايو” الأمريكية ، وكانت قصة ” أسمهان ” ضمن القصص التي حدث بها الكاتب عن أيامه في تلك المنطقة بعد أن أصبحا صديقين.
ـ ” غوردن سكوت “: ضابط الاستخبارات البريطاني المسؤول عن قطاع منطقة ” الرقة ” والملحق بالفوج /24/ أمن للمدفعية الملكية ضد الدروع ، الذي عسكر في ” الرقة “، يلاحظ انكفاء الدور الاستخباري الفرنسي نتيجة لشرذمة الأجهزة الفرنسية آنذاك بين ” الفيشيين ” و” الديغوليين “، وفرنسا الحرة . ففي حين تولى البريطانيون قيادة العملية الاستخبارية الإستراتجية للحرب ، اقتصر الدور الفرنسي ، على افتعال أزمة ثقة عبر إثارة النزاعات الداخلية وقمع التحركات الوطنية دون الإضرار بتحالف الطرفين .. ” من حديث ” كوكامبش للكاتب ” .
3ـ الشيخ ” خليل الحاكم بن مهيد ” أحد مشايخ عشيرة ” الفدعان ” .
4ـ ” وهبي العجيلي ” وابن أخيه ” علي الحميد العجيلي “، و” وهبي العجيلي ” كان نائباً عن الكتلة الوطنية في البرلمان السوري في ثلاثينيات القرن الماضي ، وواحداً من الشخصيات السياسية السورية منذ عشرينيات القرن الماضي ، وبقي كذلك حتى وفاته في منتصف الأربعينيات . تسلم مناصب سياسية وإدارية ، واضطهد من قبل سلطات الانتداب. (انظر كتاب “رمال في الصحراء ” تأليف ” فيكتور كالوس”، مترجم المستشار الفرنسي في ” الرقة ” في أربعينيات القرن الماضي ).
مصنف تحت: حكايا ... نهر






